ليبيا سات,اكبر منتدى ليبى فى عالم الستايلات  

العودة   ليبيا سات,اكبر منتدى ليبى فى عالم الستايلات > اسلاميات > المنتدى الإسلامي العام

المنتدى الإسلامي العام لنشر الوعي الإسلامي ومناقشة قضايا المسلمين وهمومهم

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-27-2012, 06:32 PM   #1 (permalink)
:: مشرف القسم الاسلامي ::
 
الصورة الرمزية tarekmarwan
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
الدولة: طرابلس
المشاركات: 517
tarekmarwan is on a distinguished road
افتراضي منبر الجمعة (خطب صلاة الجمعة ) متجدد

بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على محمد و آله و صحبة أجمعين
أما بعد :

عنوان الخطبة ( الدفاع عن حبيبنا المصطفى )
صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم
بتاريخ 21- 09 – 2012 م
ألقاها الأخ فضيلة الشيخ / نبيل بن عبدالرحيم الرفاعى
أمام و خطيب مسجد التقوى - شارع التحلية - جدة
و سمح للجميع بنقله إبتغاء للأجر و الثواب
خطبتى الجمعة بعنوان
( الدفاع عن حبيبنا المصطفى )
صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم
الخطبة الاولى
الحمد لله بارِئ البريّات وعالم الخفِيَّات، المطَّلِع على الضّمائر والنيات ، أحمده سبحانه وأشكره وسِع كلَّ شيء رحمة وعلمًا، وقهر كلَّ مخلوق عِزةً وحُكما ، { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [110 طه]،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً خالصة مخلَصة أرجو بها الفوزَ بالجنات ، وأشهد أنَّ سيِّدنا ونبيَّنا محمَّدًا عبد الله ورسوله المؤيَّد بالمعجزات والبراهين الواضحات، صلّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آلِه السادات وأصحابه ذوي الفَضل والمكرُمات ، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ما دامت الأرض والسّموات، وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد ،،
فيا أيها المسلمون، أوصِيكم ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، فاتقوا الله جميعاً رحمكم الله، وقابِلوا إحسانَ ربكم بدوام حمده وشكره، فهو سبحانه يعامِل عبادَه بإحسانه وفضله، فإذا ما استعانوا بإحسانه على عِصيانه أدّبهم بعدلِه، فمن جاءه من ربّه ما يحبّ فليشكُر الواهب، ومن أصابه ما يكره فليتّهم نفسه، ومن انقطعت عنهم متّصِلات الأرزاق فليعودوا باللّوم على أنفسهم ولا يتَّهموا الرزاق، { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ
وَلَـٰكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ }
[الشورى:27].
أيّها المسلمون،
يختار الله سبحانه وتعالى رسله من صفوة خلقه، ويتولاهم بالرعاية والتهذيب قبل بعثتهم دون أن يشعر الناس بذلك ودون أن يتوقعوا، حتى إذا بعثهم كانوا مؤهلين لحمل الرسالة والقيام بها على الوجه الذي يريده الله منهم.
وقد صدق ذلك كله بالنسبة لرسول الله محمد صلى الله عليه و سلم على مستوى غير معهود في تاريخ الرسل من قبل.
يُقال ذلك ويثار ـ أيها المسلمون، وقد سمعتم – أو سمع بعضكم-
ما تجرأ به غر من الأغرار على سيد الخلق أجمعين، محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، واستهزأ بمقامه ومكانته في عبارات ظالمة آثمة، لا تصدر إلا ممن ضعف في نفوسهم تعظيم الله وتوقير رسوله صلى الله عليه و سلم .
إخوة الإيمان: إنه لمن المؤسف حقا أن نسمع ونرى نحن أبناء المسلمين اليوم من يتفوه و يمثل مثل هذه العبارات المشينة دون خجل أو حياء أو موارية، و حتى بتمثيل شخصيته صلى الله عليه و سلم { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } التوبة 65 ـ 66
{ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } المجادلة22
أحبتي في الله: إن أمرا مثل هذا ليدعو إلى الوقوف والتأمل في سيرة سيد المرسلين عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم.
إن على كل مسلم أن يقرأ دينَه من مصادره، وأن يطّلع على سيرة نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ، فهي مدوّنة محفوظة تدوينا وتوثيقا لا يدانيه توثيق ولا يقاربه تحقيق.
إخوة الإيمان: لقد اقتَضَت إرادةُ الله سبحانه وحكمتُه أن يختم الأنبياءَ والرسل بمحمد صلى الله عليه و سلم ، وأن يختمَ الرسالات بالإسلام الذي جاء به، ليكونَ للناس بشيراً ونذيراً، وليكون للعالمين رحمة.
بعثَه على فترة من الرسل، ضلّ فيها الناس رشادَهم، وجحدوا عقولَهم وقلوبَهم، فصاروا كالأصنام تعبُد الأصنام، وكالحجارة تقدّس الحجارة، ملَؤوا الأرضَ خرافاتٍ وأوهاماً، فلطف الله بعباده، فاصطفى محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليبلِّغ خاتمةَ رسالاته، ويهديَ بآخر كتبه، فكان بإذن الله كالغيث نزل على الأرض الموات، فتبصّر الضالّون طريقَ النجاة، واستردَّ الخلق إنسانيتَهم وكرامتهم، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم إنّ الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربَهم وعجمَهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنّما بعثتُك لأبتليَك وأبتليَ بك،
وأنزلتُ عليك كتابًا لا يفسده الماء، تقرؤه نائماً ويقظان ) .
أيّها المسلمون، أيّها العقلاء، على كل مسلم حصيف أن ينظرَ فيما نالته سيرةُ سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم من العناية الفائقة والدقّة البالغة في التدوين والتحقيق والشمول والتصنيف والاستنباط، لقد كانت سيرةً ومسيرة جليّةَ المعالم، كلّها حقٌّ، وكلّها صدق، توثيقاً وكتابة، وقراءة وبحثاً، واستيعاباً واستنباطاً.
لم تُحفَظ قصةُ حياةٍ ولا سيرة رجل ولا مسيرة بطل مثلما حُفظت سيرةُ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
سيرةٌ لم تلحقها الأساطير والأوهام، وإنّها لإحدى الدلائل التي حفظها الله لتكونَ شاهداً على صدق هذه الرسالة المحمدية.
إنّ الذين وصفوه ودوّنوا سيرتَه أحبّوه والتزموا الاقتداءَ به،
فاجتمع في وصفهم وتدوينهم أمانةُ النقل مع محبّة الموصوف، فامتزجت لديهم العاطفةُ بالدين، والحب بالأمانة، فكانوا في نقلهم يؤدّون واجباً ويتّبعون سُنّة، فسلموا من الكذب والتحريف،
والتناقض والجهل، وذلكم ـ وربكم ـ من آيات الله للعالِمين.
لقد ضمّت السيرةُ النبوية جميعَ شؤون رسول الله صلى الله عليه و سلم وتفاصيل حياته وأطوار عمره، من الولادة والرضاعة والطفولة والشباب والكهولة، في حياته قبلَ النبوة، من صدقه وأمانتِه واشتغالِه بالرعي والتجارة وزواجِه، ثم ما حبِّب إليه من الخلوة والتعبُّد، ثمّ بعثته ومواقف قومه العدائية، ومقاومتهم،
وما واجهوه به من اتهاماتٍ من سحرٍ وجنون وكذب، ثم تزايُدِ أتباعه وعلوِّ شأنه، وما حصل مع قومه من مواجهاتٍ ومهادنات وحروبٍ ومسالمات.
أمّا حياتُه الشخصية فقد نقل لنا النقلة الأثبات تفاصيلَ أوصافه الجسدية من الطول واللّون والهيئة والمشية وحياته اليوميّة من قيامه وجلوسه، ونومه ويقظته، وضحكه وغضبه، وأكله وشربه ولباسه، وما يحبّ وما يكره، وعبادته في ليله ونهاره، وحياته مع أهل بيته وفي مسجده وأصحابه.
مع الأصدقاء ومع الغرباء وفي السفر وفي الحضر، ناهيكم بأخلاقه الكريمة من التواضع والحلم، والحياء والصبر وحسن العشرة، بحيثُ لم يبقَ شيء من حياته مخفياً أو مكتوماً، إذا دخل بيته فهو بين أهله وخدمه وأولاده، وإذا خرج فهو مع الأصحاب والغرباء، وكلّ ذلك منقولٌ محفوظ.
في بشريّته لم يخرج عن إنسانيّته، ولم تلحق حياتَه الأساطير،
ولم تُضْفَ عليه الألوهية لا قليلا ولا كثيراً، فهو النبيّ الرسول، والرسول الإمام، والرسول الحاكم، والرسولُ الزوج، والرسول الأب، والرسول المجاهد، والرسولُ المربي، والرسول الصديق صلى الله عليه و سلم.
محمد صلى الله عليه و سلم أنموذجُ الإنسانية الكاملة، وملتقى الأخلاق الفاضلة، وحامل لواء الدعوة العالمية الشاملة.
أعطاه ربُّه وأكرمه، وأعلى قدره ورفع ذكرَه، ووعده بالمزيد حتى يرضى، ولاّه قبلةً يرضاها، من أطاعه فقد أطاع الله، ومن بايَعَه فإنما يبايع الله، لا قدرَ لأحد من البشر يداني قدرَه، صفوةُ خلقِ الله، وأكرم الأكرمين على الله، وحينما قال موسى كليم الله عليه السلام كما فى الآية الكريمة قال تعالى : { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَىٰ } [طه:84]
قال الله لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } [الضحى:5]،
وحين سأل موسى الوجيهُ عند ربه عليه السلام:{ قَالَ رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } [طه:25]
قال الله لحبيبه محمد صلى الله عليه و سلم :{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }[الشرح:1].
أيها المسلمون، ومع حبِّ المسلمين لنبيّهم عليه الصلاة والسلام وتعظيمِهم له وتوقيرهم لجنابه فإنّ عقيدتهم فيه أنه بشرٌ رسول، عبدٌ لا يعبَد، ورسول لا يكذَّب، بل يُطاع ويُحبّ ويوقَّر ويُتّبع، شرّفه الله بالعبودية والرسالة.
ولقد علَّمنا ربّنا موقعَ نبيّنا منّا فقال عز شأنه:
{ النَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }[الأحزاب:6]،
فهو أقربُ إلى قلوبنا من قلوبِنا، وأحبّ إلى نفوسنا من نفوسنا،
وهو المقدَّم على أعزّ ما لدينا من نفسٍ أو مال أو ولد أو حبيب،
ولن يذوقَ المسلم حلاوةَ الإيمان في قلبه وشعوره ووجدانه
إذا لم يكن حبُّ رسول الله صلى الله عليه و سلم فوقَ كلّ حبيب،
ففي الحديث الصحيح: ( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان؛
أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما )الحديث،
بل يترقّى ذلك إلى حدّ نفيِ الإيمان كما في الحديث الصحيح الآخر لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين )
بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام.
أيّها المسلمون، وهذا الحبُّ العميق الدقيق ليس حبًّا ادعائياً ولا عاطفة مجرّدة ولكنّه حبٌّ برهانُه الاتباع والدفاع والنصرة، والطاعة والانقياد والاستسلام، وأيّ فصلٍ بين الحبّ والاتباع فهو انحرافٌ في الفهم وانحرافٌ في المنهج.
الحبّ الصادق يقود إلى الاتباع، والاتباع الصحيح يذكي مشاعرَ الحبّ.
أيّها الناس، هذا هو نبيُّنا، وهذه هي سيرتُه، وهذا هو حبّنا له وإيماننا به ومتابعتنا له، ولن نقبلَ أن ينالَ منه أحد كائنا من كان، وكيف نقبل ونحن نرجو شفاعته في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، وكيف نرضى أي انتقاص من قدره، وهو الذي آثرنا بدعوته المستجابة عند ربه، حين قال بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام: ( لكل نبي دعوة مستجابة , فتعجل كل نبي دعوته، واختبأت دعوتي , شفاعة لأمتي يوم القيامة , فهي نائلة إن شاء الله ,من مات منكم , لا يشرك بالله شيئا )
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم : { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } إبراهيم 36
وقال عيسى عليه السلام كما فى قوله تعالى :{ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } المائدة118
فرفع يديه صلى الله عليه و سلم و قال ( اللهم ! أمتي أمتي " وبكى . فقال الله عز وجل : يا جبريل ! اذهب إلى محمد ،
وربك أعلم ، فسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله .
فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال . وهو أعلم .
فقال الله : يا جبريل ! اذهب إلى محمد فقل :إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ) .
أحبتي الكرام: أبعد هذا يرضى مؤمن بأن ينتقص أحد سيد الخلق محمد صلى الله عليه و سلم ، ويتطاول عليه، وعلى مقامه المحمود، عبر نشر تصورات فاسدة، وآراءِ مختلة، أيود أحد أن يكون خصماً لمحمد صلى الله عليه و سلم شفيع الخلائق يوم المحشر!!
إنّها إساءةٌ عظيمة أثارت مشاعرَ المسلمين في العالم، و لكن ليس بعد الكفر ذنب إنّ هذه المحاولاتِ من التشويه والانتقاص والإفك إنما تسيء إلى قائلها، وتبثّ بذورَ الكراهية بين أفراد المجتمع، وتذكي أجواءَ الصراع، وتثير أبشعَ صوَر البغضاء بين الناس.
أيّها الناس، إن كل مسلم غيور يستنكر ويُدين هذه العبارات الوقحة والافتراءات الآثمة و التمثيل الباهت ضدّ نبيّه صلى الله عليه و سلم ، ويطالب بأن ينال هذا المجاهر المتجرأ جزاءه العادل وفق ما تقرره أحكام الشريعة الإسلامية، لأن السماحَ بانتشار مثل هذه الافتراءات يؤدّي إلى إذكاء الصراع
ونشرِ البغضاء في عواقبَ وخيمة. وقد أثلج الصدور وأذهب غيظ القلوب، ما أمر به قائد هذه البلاد خادم الحرمين الشريفين من حجب هذا الفيلم السيء المسيء
وبعد أيها الأحبة: فإنَّ ذلك كلّه مع عِظَم خطره وأليم وقعِه، فإنّ المسلمين ليسوا في شكّ من دينهم ولا من نبيّهم، فهذه الاتهامات والأوصاف عينُها سبقَ إليها أهل الجاهليّة الأولى، ولم يكن لها أيّ تأثير في السيرة النبوية ولا المسيرة الإسلامية.
فالإسلام دينُ الله، ومحمّد صلى الله عليه و سلم رسول الله،
وكلّ ذلك محفوظ بحفظ الله، فلله الحمد والمنة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
{ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً * إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً * وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً }[الأحزاب:56-58].
بارك الله لي و لكم فى القرآن الكريم و نَفَعني الله وإيَّاكم بالقرآنِ العظيم
وبهديِ محمّد سيد المرسلين صلى الله عليه و سلم ، وأقول قولي هَذا، وأستَغفر الله لي ولَكم و لجميع المسلمين
فأستغفروه أنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله أثنى على عبدِه ورسولِه محمد في محكم كتابِه، وامتدحه بجميل خلقه وكريم آدابِه، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
هو ربّنا الرحمن آمنا بِه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله أنزل عليه الذكر وحفظه على مرّ الدهر وتعاقب أحقابه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى الطيبين الطاهرين آله، وعلى الأبرار المكرمين أصحابِه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد ،،
فيا أيها المسلمون، إنَّ على أهل الإسلام أن يتحلّوا باليقظة والوعي وأن لا يستجيبوا لاستفزازاتِ المتعصّبين، فلا يُلقوا باللائمة على غير من أذنب، فمن ضل فإنما يضل على نفسه، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ولتكن مواقفُهم محسوبة، مع حُسن تقديرٍ للعواقب، كما يجب التآزر والتعاون في التصدي لمثل هذه الأقاويل المغرضة الجائرة، وأن يبذلوا كلَّ جهدٍ ممكن وإمكانات متوفّرة من أجل دحضِها وكشفِ زيفها وكذبها، والأخذ على يد الظالم، وأطره على الحق أطراً.
إنَّ على كل فرد مسلم أن يستنكر مثل هذه المواقف المشينة والأقوال المسيئة، ويتصدّى لأصحابها، وألا تأخذه بهم رأفة في دين الله، دعوةً إلى الله، ونصرةً لدين الله، ودفاعًا وحبًّا لرسول الله صلى الله عليه و سلم .
كما أنّ على كل رجالات الإسلام من العلماء والدعاة والمفكّرين وغيرهم أن يبيّنوا الإسلامَ الحقَّ للناس بمحاسنه ورحمته، وعدله وسماحته، وعفوه وقوّته، وإنصافه وغَيرة أتباعه، وينشروا سيرةَ نبينا محمد صلى الله عليه و سلم الطاهرة الشريفة، والحقّ أحقُّ أن يُتّبع، والزبدُ يذهب جُفاء، وما ينفع الناس فيمكث في الأرض، والمسلمون على عقيدةٍ راسخة بأن الله متمّ نوره، إذا صبروا واتقوا وأحسنوا.
و عليكم أنتم أن تتحلوا بصفات نبينا صلى الله عليه و سلم فهو القدوة الحسنة و بأتباعها نرد كيدهم إلى نحورهم .
ألا فاتَّقوا الله رحمكم الله ، هذا و صلّوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية و أزكى البشرية محمّد بن عبد الله صاحب الحوض و الشفاعة ، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه ، و ثنى بملائكته المسبِّحة بقدسِه ، و أيّه بكم أيها المؤمنون ، فقال جلَّ من قائل عليما :{ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا }[الأحزاب:56].
اللّهمّ صلِّ و سلِّم وبارِك على عبدِك و رسولك نبيِّنا محمّد الحبيب المُصطفى و النبيّ المُجتبى ، و على آله الطيبين الطاهرين ، و على أزواجِه أمّهات المؤمنين ، و ارضَ اللّهمّ عن الخلفاء الأربعة الراشدين : أبي بكر و عمر و عثمان و عليٍّ ، وعن الصحابة أجمعين ، و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يومِ الدين ، و عنَّا معهم بعفوِك و جُودك و إحسانك يا أكرم الأكرمين . و قال عليه الصلاة و السلام فيما أخرجه مسلم في صحيحه :
( مَن صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا ) .
فاجز اللّهمّ عنّا نبيّنا محمّدًا صلى الله عليه و سلم خيرَ الجزاء و أوفاه ، و أكمله و أثناه ، و أتمَّه و أبهاه ، و صلِّ عليه صلاةً تكون له رِضاءً ، و لحقِّه أداءً ، و لفضلِه كِفاء ، و لعظمته لِقاء ، و تلقى منك سبحانك قبول و رضاء ، يا خيرَ مسؤول و أكرمَ مأمول يا رب الأرض و السماء .
اللّهمّ إنّا نسألك حبَّك ، و حبَّ رسولك محمّد صلى الله عليه و سلم ، و حبَّ العملِ الذي يقرّبنا إلى حبّك .
اللهم اجعل حبَّك و حبَّ رسولك صلى الله عليه و سلم أحبَّ إلينا
من أنفسنا و والدينا و الناس أجمعين .
اللّهمّ أعِزَّ الإسلام و المسلمين ، و أذلَّ الشركَ و المشركين ،
و أحمِ حوزةَ الدّين ، و أدِم علينا الأمن و الأمان و أحفظ لنا ولاة أمورنا ، و رد كيد كل من أراد فتنة فى بلادنا فى نحره أو فى أى من بلاد المسلمين
اللهم أمنا فى أوطاننا و أصلح أئمتنا و ولاة أمورنا ، و أنصر عبادَك المؤمنين فى كل بقاع الأرض و أحفظهم
اللهم أحقن دماء المسلمين فى كل مكان و أحفظهم بحفظك
الله أرحم موتاهم و أشف مرضاهم و اجمع شملهم و شتاتهم .
اللّهمّ إنّا نسألك حبَّك ، و حبَّ رسولك محمّد صلى الله عليه و سلم ، و حبَّ العملِ الذي يقرّبنا إلى حبّك .
اللهم اجعل حبَّك و حبَّ رسولك صلى الله عليه و سلم أحبَّ إلينا
من أنفسنا و والدينا و الناس أجمعين .
اللّهمّ أعِزَّ الإسلام و المسلمين ، و أذلَّ الشركَ و المشركين ،
و أحمِ حوزةَ الدّين ، و أدِم علينا الأمن و الأمان و أحفظ لنا ولاة أمورنا ، و رد كيد كل من أراد فتنة فى بلادنا فى نحره أو فى أى من بلاد المسلمين
اللهم أمنا فى أوطاننا و أصلح أئمتنا و ولاة أمورنا ، و أنصر عبادَك المؤمنين فى كل بقاع الأرض و أحفظهم
اللهم أحقن دماء المسلمين فى كل مكان و أحفظهم بحفظك
الله أرحم موتاهم و أشف مرضاهم و اجمع شملهم و شتاتهم .
اللهم أحفظ أخواننا المسلمين فى الشام و مينامار و جميع بلاد المسلمين ،
اللهم أحقن دمائهم و صن أعراضهم و أحفظهم و أموالهم و أولادهم .
ثم الدعاء بما ترغبون و ترجون من فضل الله العلى العظيم الكريم
أنتهت
و لا تنسونا من صالح دعاءكم
قدمها لكم
الأستاذ الفاضل حمدي
hamdi-8

tarekmarwan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-28-2012, 12:20 PM   #2 (permalink)
:: كبار الشخصيات ::
 
الصورة الرمزية hamdi-8
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: Libya
المشاركات: 7,052
hamdi-8 is on a distinguished road
افتراضي رد: منبر الجمعة (خطب صلاة الجمعة ) متجدد

السيرة النبوية ـ 2
مازن التويجري

ملخص الخطبة
1 ـ عزلة النبي في غار حراء وتحنثه فيه. 2 ـ نزول الوحي عليه في غار حراء.3 ـ تفسير ورقة للنبي ما حصل له في الغار 4 ـ انقطاع الوحي ثم عودته5 ـ بدء الدعوة السرية. 6 ـ الجهر بالدعوة على جبل الصفا7 ـ إيذاء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وهمها بقتله. 8 ـ الهجرة إلى الحبشة9 ـ قصة إسلام عمر.

الخطبة الأولى



وبعد ذلك تباعدت الشقة بين النبي وبين قومه، وأضحى يقلق لما يراهم عليه من الشقاوة والفساد، واشتد هذا القلق، حتى ما عاد يطيق الإقامة بينهم، فأخذ يحث المسير إلى غار حراء يتعبد فيه ويخلو، على بقايا دين إبراهيم عليه السلام، وهو غار لطيف، يقيم فيه شهر رمضان المبارك يطعم فيه من جاءه من المساكين، ويتفكر فيما حوله من مشاهد الكون، وكان اختياره لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وليعده لما ينتظره من الأمر العظيم، ولا بد لأي روح يراد بها أن تؤثر في واقع حياة البشر فتحولها وجهة أخرى.. لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل حياتهم.
ولما تكامل له أربعون سنة، وهي رأس الكمال ولها تبعث الرسل، بدأت آثار النبوة تلوح من وراء الأفق، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود ذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ: فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأْكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1 ـ 5] فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة، مالي؟ وأخبرها الخبر، لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرءًا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى، فأخبره رسول الله خبر ما رأى؟ فقال له ورقة، هذا الناموس الذي نزَّله الله على موسى، يا ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله : ((أو مخرجيَّ هم)) قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي".
روى البخاري في صحيحه ما نصه: وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال يا محمد: إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
قال ابن حجر رحمه الله: وكان ذلك (أعني انقطاع الوحي أيامًا) ليذهب ما كان وجده من الروع، وليحصل له التشويق إلى العود، فلما تقلصت ظلال الحيرة وثبتت أعلام الحقيقة، وعرف معرفة اليقين أنه أضحى نبيًا لله الكبير المتعال، وأن ما جاءه سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء، وصار تشوفه وارتقابه لمجئ الوحي سببًا في ثباته واحتماله عندما يعود، روى البخاري عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله يحدث عن فترة الوحي قال: فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني، زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ثم حمي الوحي وتتابع حينها قام رسول الله ، فظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامُا، لم يسترح ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله، قام يحمل على عاتقه العبء الثقيل عبء الأمانة الكبرى في هذه المعمورة عبء البشرية كلها، عبء العقيدة ونشرها، وعبء الكفاح والجهاد جهاد السيف والكلمة، والدعاء والدعوة.
قام لم يلهمه شأن عن شأن، ولا شغله أمر بمن أخر، فاللهم أجزه خير ما جزيت نبيًا عن أمته.
ولما كانت مكة مركز دين العرب، وفيها سدنة الكعبة، والقوام على الأصنام المقدسة، كان من الحكمة أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية لئلا يهيج أهل الباطل في مكة.
وفي أول يوم من أيام الدعوة أسلم الرعيل الأول السابقون الأولون، فأسلمت خديجة زوج النبي عليه السلام ومولاه زيد بن حارثة وابن عمه علي بن أبي طالب وإمام الأمة بعد رسولها أبي بكر الصديق، ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلاً مألوفًا محببًا سهلاً رفيعًا في قومه، فأسلم على يده عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، ثم تلى أولئك بلال وأبو عبيدة والأرقم وخباب وابن مسعود وغيرهم.
قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتُحدث به وكان رسول الله يجتمع بهم سرًا ويرشدهم إلى الدين متخفيًا حيث إن الدعوة لا تزال فردية سرية، وكان في أوائل ما نزل الأمر بالصلاة, فكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، ومضت ثلاث سنين والأمر كما هو إلى أن أُمر عليه السلام بالصدع بدعوة الحق فنزل قول الله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين.
وجهر النبي بدعوته فقام يومًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا)) فقال أبو طالب ما أحب إلينا معاوتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامضي لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
فقال أبو لهب: هذه والله السنوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا، وقد قال الشقي أبو لهب للنبي عليه السلام قبل هذه المرة: فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشرٍ مما جئت به.
وروى البخاري ومسلم عن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين صعد النبي على الصفا، فجعل ينادي يا بني فهر، يا بني عدي لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أرسل رسولاً لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: ((أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد،فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ [المسد: 1].
وهذه سنة الله لا تتبدل ولا تتغير، فأعداء الحق ودعوة الحق كثيرون على مر العصور، ولم يكن ولن يكون طريق الدعوة سهلاً يسيرًا مفروشًا بالرياحين والورود، بل هو شاق طويل يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ آل عمران: 200].
واستمر عداء كفار قريش للنبي وتفننوا في إيذائه ومن آمن به، ذكر ابن إسحاق أن جيرانه عليه السلام كان أحدهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، فاتخذ حجرًا ليستتر به منهم إذا صلى، وكان عليه الصلاة والسلام يخرج الأذى بعود، فيقف به على بابه ويقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا، ثم يلقيه في الطريق.
وروى مسلم أن أبا جهل حلف باللات والعزى ليطأ في رقبة رسول الله وهو ساجد، فذهب وعاد وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقالوا مالك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولاً وأجنحة فقال عليه السلام: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا. وكان بلال مولىً لأمية بن خلف فيضع الحبل في عنقه ثم يسلمه إلى الصبيان يطوفون به في جبال مكة، وكان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع عليه، فمر عليه أبو بكر فاشتراه بسبع أواق من فضة وأعتقه، وعُذب ياسر وسمية وعمار في الهاجرة وكان النبي يمر بهم، ويقول: صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، فمات ياسر وطعن الطاغية أبو جهل سمية في قبلها فماتت، وعذب عمار عذابًا شديدًا، وكانوا يأخذون بشعر خباب بن الأرت فيجذبونه جذبًا، ويلوون عنقه ليًا، وأضجعوه مرات عديدة على الفحم الملتهب ووضعوا عليه حجرًا.
وكانوا يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر ثم يلقونه في حر الرمضاء، ويلبسون بعضًا آخر درعًا من الحديد ثم يلقونه على صخرة ملتهبة، ودامت على حالها الأوضاع كما سمعت، ولكن ما هي إلا سني يسيرة وإذا بهؤلاء المعذبين يطأون أعناق الجبابرة المتكبرين فاتحين منصورين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: الـم أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ [العنكبوت: 1 ـ 3].
ولله الأمر من قبل ومن بعد والحمد لله رب العالمين.



الخطبة الثانية

ثم اتخذ رسول الله دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا مركزًا للدعوة، ولاجتماع أهل الإيمان يعلمهم ويهديهم وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم.
وفي رجب سنة خمس من النبوة أذن الله بالهجرة إلى الحبشة فهاجر أول فوج من الصحابة في اثني عشر رجلاً وأربع نسوة رئيسهم عثمان بن عفان، ومعه رقية بنت النبي . ثم لحق بهم فوج آخر يزيد على المائة فكانوا عند النجاشي في خير جوار وأطيب عيش.
وأخذ كفار قريش يهددون أبا طالب ويطالبونه بإيقاف ابن أخيه عما هو ماضٍ فيه، وفكروا في قتله، أتى عتيبه بن أبي لهب يومًا للنبي وقال: أنا أكفر بـ وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ [النجم: 1] وبالذي دَنَا فَتَدَلَّىٰ [النجم: 8] ثم تسلط عليه بالأذى وشق قميصه وتفل في وجهه، إلا أن البزاق لم يقع على وجهه الطاهر، فدعا عليه النبي وقال: ((اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك)) فخرج عتيبة في نفر من قريش إلى الشام في مكان يقال له الزرقاء فطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أخي، هو والله آكلي كما دعا محمد عليَّ. فغدا عليه الأسد من بين القوم وأخذ بأرسه فذبحه.
وأخذ أبو جهل الأمان من قريش في أن يقتله، فأصبح ومعه حجر لا يقوى على حمله، حتى إذا سجد رسول الله احتمله أبو جهل فما هو إلا أن دنا منه رجع مهزومًا منتقعًا لونه، مرعوبًا قد يبست يداه فقالت قريش: مالك يا أبا الحكم؟ قال: لما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهمَّ أن يأكلني.
وخلال هذا الجو الملبد بسحائب الظلم والطغيان أضاءت للمسلمين بارقة أمل، ألا وهي إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، مرّ أبو جهل برسول الله عند الصفا، فآذاه ونال منه، ثم ضربه بحجر في رأسه فشجه حتى نزف منه الدم، وأقبل حمزة من القنص متوشحًا قوسه، فأُخبر بالذي جرى فغضب غضبًا شديدًا فخرج يسعى، حتى دخل المسجد فوقف على رأس أبي جهل وقال له: يا مصفر استه، تشتم ابن أخي وأنا على دينه، ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة، وكان اسلامه أول الأمر أنفة ثم شرح الله صدره للإسلام والنور.
أخرج الترمذي وصححه والطبراني أن النبي قال: ((اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام)).
وعلم عمر بإسلام أخته وزوجها فدخل عليهما وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها سورة طه، يقرئهما إياها، فضرب أخته وزوجها، ثم ندم وقال: اعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه فقالت أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقام فاغتسل، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أسماء طيبة طاهرة، فقرأ: طه [طه: 1] إلى قوله: إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِى [طه: 14]فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه، دلوني على محمد، فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم انطلق حتى أتى دار الأرقم فضرب الباب فرآه رجلٌ من خلل الباب فاستجمع القوم فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر، فقال: وعمر! افتحوا له الباب، فإن جاء يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرًا قتلناه بسيفه، فدخل فأخذ رسول الله بمجامع ثوبه وحمائل سيفه ثم جذبه جذبة شديدة فقال: ((أما أنت منتهيًا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة، اللهم هذا عمر، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب)) فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأسلم فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد.
قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : "ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر".
وقال صهيب رضي الله عنه: "لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقاً، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به.
وهكذا فلله جند يعز بهم دينه، ويرفع بهم لواءه، وينصر أولياءه، فهم سيف الإسلام وترسه.
hamdi-8 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-28-2012, 02:42 PM   #3 (permalink)
:: مشرف القسم الاسلامي ::
 
الصورة الرمزية tarekmarwan
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
الدولة: طرابلس
المشاركات: 517
tarekmarwan is on a distinguished road
افتراضي رد: منبر الجمعة (خطب صلاة الجمعة ) متجدد

السلام عليكم و رحمة الله
بارك الله فيك يا استاذنا الفاضل حمدي و جعلها في ميزان حسناتك
اللهم صلى على محمد و آله و صحبة و سلم
ملاحظة : ورد في الخطبة جملة (
إن الرائد لا يكذب أهله)
فما معني الرائد : هو الذي يبعث به أهله في أوقات الجدب ليرتاد لهم مكاناً خصيباً ينتقلون إليه. فهو يدلهم على المكان الخصيب الذي ينقذهم من الجدب والجفاف .
أي ان هذا الرائد مستحيل أن يكذب على أهله و يسبب في هلاكهم .
و السلام عليكم و رحمة الله
tarekmarwan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-28-2012, 03:19 PM   #4 (permalink)
:: كبار الشخصيات ::
 
الصورة الرمزية hamdi-8
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: Libya
المشاركات: 7,052
hamdi-8 is on a distinguished road
افتراضي رد: منبر الجمعة (خطب صلاة الجمعة ) متجدد

خطبتى صلاة الجمعة بعنوان :

(ريــاح التغييــر )


ألقاها الأخ فضيلة الشيخ / نبيل بن عبدالرحيم الرفاعى



و سمح للجميع بنقله إبتغاء للأجر و الثواب


الخطبة الاولى






الحمدُ لله المتفرِّدِ بالخلق والإيجاد،


أحمده سبحانه وتعالى وأشكره لا رادَّ لما أرادَ، وما لِرزقِه من نفاد،


وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له،


شهادةً تُنجي قائلها يومَ يقوم الأشهاد،


وأشهد أنّ سيدنا ونبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله،


المبعوثُ إلى جميع العباد، والهادي أمَّتَه إلى سبيل الرشاد،


صلّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه السادةِ الأمجاد،


والتابعين ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم التنادِ، وسلّم تسليمًا كثيرًا.




امابعــــــد


فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله،


فاتقوا الله رحمكم الله ، ألا تطمعون في اللحاق بالصالحين؟!


ألا تتسابقون في الخيرات مع المُتسابقين؟!


كم بين الساعي والقاعد، والراغب والزاهد؟!


السابقون السابقون شغلَهم حبُّ مولاهم عن ملذَّات دنياهم، والمُتنافِسون المُتنافِسون دموعُهم على وجناتهم تتدفَّق، يشتاقون إلى الحبيب والحبيبُ إليهم أشوق، ما أبهى منظرهم في ظُلمات الدُّجَى ونورُهم قد أشرق، تعرفهم بسيماهم وللصدق رونَق.



يا عبد الله ،



لا يجعلُ الله عبدًا أسرع إليه كعبدٍ أبطأ عنه،



{ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }



[الحديد: 21].



أيها المسلمون :



عندما هزم الله المشركين فى موقعة بدر٬وأذل كبرياءهم تنزلت آيات كريمة تكشف أسرارالانكسارالذى أصاب القوم٬وتصف اللطمات التى تناولت الهالكين من كل جهة



فقال جل شأنه



{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ }


الأنفال50



ولكن لم هذه النهاية الفاجعة ؟والخزي المحيط؟



يقول الله عز و جل



{ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ }



آل عمران182



إن هذا الختام الكالح جزاء عادل لأناس كرهوا ما أنزل الله٬وتبعوا هوى الأنفس٬وملكهم غرورالقوة٬واستحلوا حرمات الضعاف٬ولم يقفهم عند حقوق الحق أدب ولا خلق !



أيها الإخوة في الله:



والمنهزمون فى بدر ليسوا بدعا من الأمم الأخرى٬فقد بين القرآن الكريم أنذلك دأب الله فى جماهير الكفار والظلمة على اختلاف الزمان والمكان . وسنة الله فى العصاة لا تتخلف٬فإن شؤم معاصيهم لاحق بهم وإن طال المدى



{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ }



آل عمران11



{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }



الأنفال53



أحبتي الكرام :



وعند هذا التعليل الأخيرنقف وقفة تدبرو اعتبار ! فإن الله لا يبدل أمنا لأمم قلقا٬ ولارخاءها شدة٬ولاعافيتها سقما،لأنه راغب فى أن يذيق الناس المتاعب ويرميهم بالآلام . كلا٬إنه بر بعباده ٬يغدق عليهم فضله وستره،ويصبحهم ويمسيهم برزقه ومغفرته٬ ولكن الناس يحسنون الأخذ ولايحسنون الشكر،ويمرحون من النعم ولايقدرون وليها تبارك اسمه !



وعندما يبلغ هذا الجحودُ مداه٬وعندما ينعقد الإصرارعليه فلا ينحل بندم ولاتوبة٬ عندئذ تدق قوارع الغضب أبواب الأمم ! وتسود الوجوه بهزائم الدنيا قبل نكال الآخرة . .



إن الله لايتغير ولكن الناس هم الذين يتغيرون٬



و ذلك معنى الآية الكريمة




{ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ }



الرعد11



ولما كان الخطاب الإلهي فى الآيات التى ذكرنا يعنى أهل مكة المنهزمين٬ فلنعد بالذاكرة مع ماضى القوم٬وماضم فى أطوائه من رفاهة ونعماء . .



لقد امتن الله على قريش بأمرين جليلين هما الغاية القصوى للحياة على ظهرالأرض : الشبع وهو ملاك الحريات الاقتصادية . والأمن وهو ملاك الحريات السياسية.



ومن ثم قال لهم سبحانه :




{ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }



قريش 3 ، 4



وما أجمل أن يجد المجتمعُ ضروراته ومرفهاته مبذولة لا تنغصها أزمة٬ولايعكرها ضيق ! وما أجمل أن يجد المجتمع كرامته مصونة لايهدرها باغ٬ولايستبيحها حاكم ظلوم ! . .



الشبع والأمان هما العدل الاجتماعى والعدل السياسى اللذان تهفو إليهما الأمم٬وتسعد فى ظلهما الشعوب٬فإذا ظفر بذلك بلد٬فمن حق الله عليه أن يؤمن به٬ويسارع إلى طاعته٬ويحل حلاله٬ويحرم حرامه . .



غيرأن الأمم للأسف كثيرا ماتنسى هذا الخيركله٬وتتمردُعلى بارئها الأعلى٬وقد حرم الله قريشا ماتيسر لها من متع٬



ثم قال سبحانه يصف ماحل بها :




{ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }



النحل112



الجوع والخوف بدل الشبع والأمان، اللذين طالما استراحت فى ظلهما . تلك عقبى لامحيص عنها لكل جحود !





أيها الأحبة في الله :



وننظر إلى زعماء مكة وهم يقادون أسرى فى طرقات المدينة بعد الهزيمة التى كسرت غرورهم٬وأدبت شراستهم٬وهنا نجد القرآن الكريم ينصح المنكسرين فيدلهم على طريق الكرامة الضائعة،والطمأنينة المفقودة :



{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }



الأنفال70


وهذا مرة أخرى هو طريق النجاة٬أن تنطوي القلوب على الخير٬وتحسن علاقتها بالناس ورب الناس . إن هؤلاء الأسرى المنكسرين خرجوا من ديارهم



كما وصف القرآن




{ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }



الأنفال47



وليس أحق بالقمع وإذلال الأنف٬من أناس تستخفي أنفسهم وراء أسوار من الصلف والغطرسة٬ ويريدون بأعمالهم العلو فى الأرض، والظهور بين الناس. والأنكى من هذا الشر،أنهم يمقتون الوحي وحملته٬ويطاردون الإسلام ورسالته٬واتخذوا هذا القرآن مهجورا٬وجعلوا سبيل الله موحشة،لطول ماترادف على سالكيها من أنواء وأعباء . . وها هم أولاء مطروحون فى أغلالهم لاعاصم ولامجير٬وقد تلقوا درسا موجعا يردهم إلى الله لوعقلوا٬ترى هل يستفيدون منه؟



إن التوبة معروضةٌ عليهم٬واسترجاع مايحبون ميسر لهم . بيد أن الله لايُخدع ٬فالعودة إليه استقامة قلب لا

تمتمة لسان٬وإذاحاول الطبع البشرى أن يغدر فإن الله بالمرصاد٬



و لذلك يقول الله لنبيه



{ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }



الأنفال71



إن استنارة الفكر٬وصفاء النفس٬والتسامى بالطباع٬وتهذيب الباطن قد تُحسب كلماتٌ رائجة فى ميدان التربية وحسب٬وهذا خطأ٬إنها كلمات اجتماعية وسياسية إلى جانب معناها الشائع.



معاشر المؤمنين:



إن استقامة المجتمع كله٬ونجاحَ الأمةِ فى سياستها العامة٬وبلوغَها مكانة عالية مرموقة،يجيء قبل أي شيء آخر،من الفرد المكتمل٬ومن النفس النظيفة٬ومن الغرائز المهذبة،يجيء من القلب الحافل بالخيروالرحمة٬المؤثر للصدق والعدالة . .



ولدى أمتنا الإسلامية كنوز مشحونة بهذه المعانى٬تسع أهل الأرض جميعا لو وزعت عليهم٬ولكن المسلمون ذاهلون عنها مفرطون فيها..



وأنظروا إلى الرجال والنساء٬إلى الأساتذة والتلامذة،إلى العلماء والعمال٬ستجدون أن أكثرهم قد خان تراث الإسلام العريق٬وتعلق بقشور باطلة٬وأن أكثرهم مصروف عن دينه الضخم العظيم إلى دنيا تزلزلت فيها قدمه٬وسبق فيها خصمه .. فلا غرو بعد ذلك إذا فتح المسلمون أعينهم على حاضر كريه ومستقبل مظلم..



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :



{ لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلاْمُورِ }



[آل عمران:186]،



بارك الله لي و لكم فى القرآن الكريم و نَفَعني الله وإيَّاكم بالقرآنِ العظيم وبهديِ محمّد سيد المرسلين صلى الله عليه و سلم ، وأقول قولي هَذا، وأستَغفر الله لي ولَكم و لجميع المسلمين


فأستغفره أنه هو الغفور الرحيم


الخطبة الثانية



الحمد لله الذي منَّ على عباده بنعمة الإيمان والإسلام، أحمده سبحانه لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأفهام،


وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،


وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بيَّن للأمة أصولَ الدين وأركانَه العظام،


اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد،


وعلى آله وصحبه الأئمة المتقين الأبرار الأعلام.




اما بعـــــــد


فإن التغيير من حال إلى حال، يحتاج إلى مقادير ضخمة من الصبر والتصبر، بيد أن الصبر لا يعني الاستسلام للأحوال السيئة والظروف والظروف القاسية، ولكنه يعني عدم اللجوء إلى الحلول السريعة، إن الجري وراء الحلول السريعة لمشكلاتٍ مستعصية، مآلة الإحباطُ واليأس، أو الاندفاعُ والتهوّر مما يزيد المشكلات تعقيداً، ويجعل الحلّ الحقيقي بعيد المنال، إن الصبر توظيفٌ صحيح للوقت والزمن، لحل أوضاع لا يُستطاع حلّها في الوقت القريب.



و بعد أيها المسلمون ،



فالإصلاح الحقيقي يبدأ بالنفس، وليس بضجيج الإعلام، ولا هُتاف الجماهير، ولا اندفاع الجموع،



{ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ }



[الرعد:11]،



إن الإصلاح يكمن في صلاح القلوب وارتباطها بعلاّم الغيوب، خضوعٌ تام لله الواحد القهار، عبادةً وتذللاً، وانقياداً وتسليماً.



ألا فاتقوا الله رحمكم الله



{ وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ }



[آل عمران:133]،



و اتَّقوا الله رحمكم الله و صلّوا على خير البرية و أزكى البشرية محمّد بن عبد الله صاحب الحوض و الشفاعة ، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه ، و ثنى بملائكته المسبِّحة بقدسِه ، و أيّه بكم أيها المؤمنون ،


فقال جلَّ من قائل عليما :


{ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا }



[الأحزاب:56].


اللّهمّ صلِّ و سلِّم وبارِك على عبدِك و رسولك نبيِّنا محمّد الحبيب المُصطفى و النبيّ المُجتبى ، و على آله الطيبين الطاهرين ، و على أزواجِه أمّهات المؤمنين ، و ارضَ اللّهمّ عن الخلفاء الأربعة الراشدين : أبي بكر و عمر و عثمان و عليٍّ ، وعن الصحابة أجمعين ، و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يومِ الدين ، و عنَّا معهم بعفوِك و جُودك و إحسانك يا أكرم الأكرمين .


و قال عليه الصلاة و السلام فيما أخرجه مسلم في صحيحه :


( مَن صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا ) .


فاجز اللّهمّ عنّا نبيّنا محمّدًا صلى الله عليه و سلم خيرَ الجزاء و أوفاه ،


و أكمله و أثناه ، و أتمَّه و أبهاه ، و صلِّ عليه صلاةً تكون له رِضاءً ،


و لحقِّه أداءً ، و لفضلِه كِفاء ، و لعظمته لِقاء ، و تلقى منك سبحانك قبول و رضاء ،


يا خيرَ مسؤول و أكرمَ مأمول يا رب الأرض و السماء .


اللّهمّ إنّا نسألك حبَّك ، و حبَّ رسولك محمّد صلى الله عليه و سلم ،


و حبَّ العملِ الذي يقرّبنا إلى حبّك .


اللهم اجعل حبَّك و حبَّ رسولك صلى الله عليه و سلم أحبَّ إلينا


من أنفسنا و والدينا و الناس أجمعين .


اللّهمّ أعِزَّ الإسلام و المسلمين ، و أذلَّ الشركَ و المشركين ،


و أحمِ حوزةَ الدّين ، و أدِم علينا الأمن و الأمان و أحفظ لنا ولاة أمورنا ،


و رد كيد كل من أراد فتنة فى بلادنا فى نحره أو فى أى من بلاد المسلمين


اللهم أمنا فى أوطاننا و أصلح أئمتنا و ولاة أمورنا ،


و أنصر عبادَك المؤمنين فى كل بقاع الأرض و أحفظهم


اللهم أحقن دماء المسلمين فى كل مكان و أحفظهم بحفظك


الله أرحم موتاهم و أشف مرضاهم و اجمع شملهم و شتاتهم .


ثم الدعاء بما ترغبون و ترجون من فضل الله العلى العظيم الكريم .

أنتهت
hamdi-8 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-04-2012, 05:51 PM   #5 (permalink)
عضو جديد
 
الصورة الرمزية lefeufroid
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
الدولة: maroc
المشاركات: 22
lefeufroid is on a distinguished road
افتراضي رد: منبر الجمعة (خطب صلاة الجمعة ) متجدد

مشكورين على المنتدى الرائع
lefeufroid غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2012, 01:37 PM   #6 (permalink)
:: كبار الشخصيات ::
 
الصورة الرمزية hamdi-8
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: Libya
المشاركات: 7,052
hamdi-8 is on a distinguished road
افتراضي رد: منبر الجمعة (خطب صلاة الجمعة ) متجدد

خطبتى صلاة الجمعة 5-10-2012م بعنوان ( ســلامــة الـصــدور )
خطبتى صلاة الجمعة بعنوان :

( ســلامــة الـصــدور )

ألقاها الأخ فضيلة الشيخ / نبيل بن عبدالرحيم الرفاعى
أمام و خطيب مسجد التقوى - شارع التحلية - جدة
و سمح للجميع بنقله إبتغاء للأجر و الثواب


خطبتى الجمعة بعنوان

( ســلامــة الـصــدور )



الخطبة الاولى



ان الحمد لله ، نحمده تعالى و نستعينه و نستغفره و نستهديه ،


و نعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا ،


من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ،


واشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له ،


واشهد ان سيدنا و نبينا محمداً عبده و رسوله ،


امام المتقين وقائد الغر المحجلين الى جنات النعيم ،


صلى الله و سلم و بارك عليه وعلى اله و اصحابه


والتابعين ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين.





أما بعــــــــــــــــــــــد

فأوصيكم ـ أيّها الناس ـ ونفسي بتقوَى الله سبحانه،


ومن ثَمَّ فاعلموا أنه ليس أسعَدَ للمرء ولا أشرَح لصدره ولا أهنَأ لروحه


من أن يحيَا في مجتمَعِه بين الناسِ صافيَ القلب صفيَّ الروح سليمَ الطباع


مُنسلاًّ من وساوِس الضّغينة وسَورَة الحقد والحسد والبغضِ والتشفّي


وحبِّ الانتصار للذّات والانتقام من النّدِّ، له سُمُوٍّ قلب يُعلي ذكرَه ويرفع قدره،


ترونَ مثلَه مُهنِّئًا رضيًّا حينما يَرى النعمةَ تنساق إلى أحدٍ غيره،


مدرِكًا فضلَ الله فيها على عبدِه، فتجِدون لسانَ حاله يلهَج



بقول النبي صلى الله عليه و سلم


فيما رواه أبو داودَ وغيره :



( اللّهمَّ ما أصبح بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِك


فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد و الشكر ).



ولا عجَبَ ـ عبادَ الله ـ في أنَّ طهارة مثلِ هذا القلب وزكاتَه لا تقف عند هذا الحدِّ فحسب،


بل إنه متى رأى أذًى أو بَلاء يلحَق أحدًا من المسلمين أو يحُلّ قريبًا من دارِه رثى لحالِه،


وتمنى له الفرجَ والغفرانَ من الله،


ولم ينسَ حينَها أهمّيّةَ وأدِ الفرح بتَرَح الآخرين في مهدِه، فلا يلبَث أن تُسارِعه سلامةُ قلبه،


ولِسانُ حالها يقول ما رواه الترمذيّ



عن النبيِّ صلى الله عليه و سلم فيما يقولُه من رأَى مبتلى :



( الحمد لله الذي عافاني مما ابتَلاه به ،


و فضَّلني على كثير ممن خلَق تفضيلاً ) .



إنَّ مثَلَ قلبٍ هذه حالُه كمثَل الإناء المصفَّح يستحيل تسرُّبُ السائل منه البتّة،


وهذا هو القَلب التقيُّ النّقيّ المشرِق الذي يبارِك الله فيه،


فتتسارَع إليه الخيراتُ حَثيثةً من حيث لا يحتسِب،


وصاحبُ هذا القلبِ هو الذي ينجو مكرَّمًا يومَ لا ينفَع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم.



أيّها المسلمون، إنَّ المجتمعَ المسلم الصّفيَّ هو ذلِكم المجتمعُ الذي يقوم على


عواطِفِ الحبِّ والتآلُف والبُعد عن الأَثَرة المشاعَةِ بين أفراده،


ولا مكانَ فيه للفرديّة المتسلِّطَة ولا الشحِّ الكنود،


بل حالُ نبيه وأفرادِه يُحيي في نفسِ المؤمن استحضارَ



قولِ الله تعالى :



{ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ }



[محمد:29]،



وقولِ الله تعالى مادِحًا صفةَ قوم:



{ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ }



[المائدة:54]،



ويستحضِر قولَه تعالى:



{ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ


وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }



[الحشر:10].



إنَّ شريعتَنا الغرّاء قد جاءت حاضَّةً على التّراحُم والتلاحم والعدلِ والإنصاف،


ونبذِ التدابُر والتقاطُع والتباغُض والتحاسُد وبَذرِ الفِتَن وتأجيجِ الفرقة؛


لأنّ الإخلالَ بهذه المبادِئ ينمِّي جذورَ الخصومة ويضرِم نارها


ويفرِّع أشواكَها ويُذبِل زَهرَ المجتمَع الغضّ ويفتق جراحَه .



عباد الله ـ إنَّ سلامةَ الصدر وسَعتَه في التعامُل مع الآخرين هو المِقبَض المفقود


في أفئِدَة كثيرٍ من المجتمعات في هذا الزّمن إلا من رحِم الله وقليلاً ما هم،


فكم نحن بحاجةٍ إلى ذلكم في ردمِ هوّةِ التجافي والشّحناء،


وكم نحنُ في حاجةٍ إليه في تعامُلنا مع نوايَا الآخرين وكوامِنِهم،


وفي تعامُلنا مع اجتهاداتِنا المطعَّمَة بالإخلاصِ ومحاوَراتنا الناشِدةِ للحقّ،


وكم تحتاجُ المجتمعاتُ المسلمة إلى ذلكم في تحديدِ معاييرِ التعامُل اليوميّ،


بين الفردِ والأسرة والأسرةِ والمجتمع والناصِحِ والمنصوح،


وكم نحن بحاجةٍ ماسّة إلى سلامةِ الصّدر وسَعته في نظرةِ المرؤوس إلى رئيسِه


والمحكوم إلى حاكِمِه والعكس بالعكس،


مع مراعاةِ هيبةِ هذا الجانبِ وخطورتِه وعنايةِ الإسلام به؛


لِمَا في مراعاتِه من تحقيقٍ للمصالح ودرءٍ للمفاسد.



إنّه بمثل هذا التوازُن الذي يمليه على المرء سلامةُ صدره تجاهَ الآخرين


لتبرز الأفضليّةُ التي ذكرَها النبي صلى الله عليه و سلم


بقوله حينما سئل: أيّ الناس أفضل؟



فقال صلوات ربى و سلامه عليه :



( كلُّ مخمومِ القلب صدوقِ اللسان ) ،



قيل : صدوق اللسان نعرفه ، فما مخمومُ القلب ؟



قال صلى الله عليه و سلم :



( هو التقيّ النّقِيّ ، لا إثمَ فيه و لا بغيَ و لا غِلَّ و لا حسد )



رواه ابن ماجه .


كما لا ينبغي أن لا يغيبَ عنا أنّ هذا التوازنَ أيضًا كفيلٌ لبروز الخيريّة التي أشار إليها



النبيّ صلى الله عليه و سلم بقوله:



( خِيارُ أئمّتِكم الذين تحبّونهم و يحبّونكم ، و تُصلّون عليهم و يصلون عليكم


ـ أي : تدعون لهم و يدعون لكم ـ ،


و شِرار أئمّتكم الذين تبغِضونهم و يبغِضونكم، و تلعَنونهم و يلعنونكم )



رواه مسلم .



ألا فاتّقوا الله أيها المسلمون، وأنيبوا إلى ربكم، وأقيموا الصّلاةَ واتّقوه،



{ ... وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ *


مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }



[الروم:31، 32].



بارَك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونفعَني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم،


أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لى و لكم و لجميع المسلمين


فأستغفروه الله إنّه كان غفّارًا و هو الغفور الرحيم .





الخطبة الثانية

الحمد لله على احسانه ، والشكر له على توفيقه و عظيم امتنانه،


واشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له تعظيماً لشأنه ،


واشهد ان سيدنا ونبينا محمداً عبده و رسوله الداعي الى جنته و رضوانه ،


صلى الله وسلم وبارك عليه و على اله وصحابته و اخوانه ،


والتابعين ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين.





أما بعــــــــــــــــــــــد

فيا أيّها الناس، إنّ من سلِم قلبُه واتَّسع صدرُه للنّاس ونصَح لهم وأشفقَ عليهم


وكان مظهَره سببًا إلى مخبَره فإنّه سيُلقَى له القبولُ عند النّاس، عدوُّهم قبلَ صديقهم؛


لأنه لا يعرِف لحظّ النفس سبيلاً، ولا للانتِقام وحبِّ الانتصار دليلاً،


ثم إنَّ للقلبِ السّليم مذاقًا وحلاوةً لا يعرِفها إلا من طعِمها،



وشتّان ـ أيها المسلمون ـ بين قلبٍ سليم وبين قلب مليءٍ بالغلِّ والوساوِس


وإعمالِ الفِكر في إدراك الانتصار للذّات.


ولقد ضَرَب لنا الرعيلُ الأوّل أروعَ الأمثِلة في ذلك،


فهَذا الفاروقُ رضي الله عنه يتحدَّث بعباراتٍ أبدى من خِلالها الإنصافَ من نفسه،



فقال رضى الله تعالى عنه :



[ اعلَموا أنَّ تلكَ القسوةَ قد أُضعِفت ،


و لكنها إنما تكونُ على أهلِ الظّلم و التعدّي على المسلمين ،


فأما أهلُ السلامة و الدِّين والقصدِ فأنا أليَنُ لهم من بعضِهم البعض ،


و لستُ أدعُ أحدًا يظلِم أحدًا أو يعتدِي عليه حتى أضعَ خدَّه


و أضَع قدَمي على الخدِّ الآخر حتى يذعِنَ للحقّ ،


و إني بعدَ قَسوتي تلك أضَع خدِّي على الأرض لأهلِ العَفافِ و أهل الكفاف ] .



و قد جاء في مسند أحمد من حديث أنس رضى الله تعالى عنه في قصّةِ الرجل الذي



قال عنه النبيّ صلى الله عليه و سلم في مجلِسه :



( يطلع عليكم رجلٌ من أهلِ الجنة ) ،



فطلع هذا الرجلُ وهو من الأنصار،


و تكرّر قولُ النبيّ صلى الله عليه و سلم عن هذا الرجل ثلاثَ مرات في ثلاثة أيّام،


فبات عبد الله بن عمرو بن العاصِ عند ذلك الرجلِ ليرى ما يفعَل من الطاعة،


فلم يَر كبيرَ عمَلٍ فسأله : ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟


فقال الرجل: ما هو إلاّ ما رأيتَ ،


فقال عبد الله: فلمّا ولّيتُ دعاني


فقال : ما هو إلاّ ما رأيتَ ، غيرَ أني لا أجِد في نفسي لأحدٍ منَ المسلمين عِشًّا


ولا أحسدُ أحدًا على خيرٍ أعطاه الله إياه،


فقال عبد الله: هذه التي بلَغَت بك .


فالله أكبر ما أعظمَ تلكُم القلوبَ، واللهُ أكبر ما أعظمَ تلك الأجساد التي تحمِلها،



{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ *


الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *


لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ }



[يونس:62-64].



ألا فاتقوا الله معاشِر المسلمين ،


هذا و صلّوا و سلّموا على من أمركم الله بالصلاة عليه في محكَم التنزيل



فقال جلّ مِن قائل سبحانه :



{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }



[الأحزاب:56] .



اللهم صلِّ و سلم و بارك على عبدك و رسولك محمد


و على آله الطيبين الطاهرين و على أزواجه أمهات المؤمنين



و أرضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين : أبي بكر و عمر و عثمان و علي ،


و عن الصحابة أجمعين و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ،


و عنَّا معهم بعفوك و إحسانك و جودك يا أكرم الأكرمين .



و قال عليه الصلاة و السلام فيما أخرجه مسلم في صحيحه :



( مَن صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا ) .



فاجز اللّهمّ عنّا نبيّنا محمّدًا صلى الله عليه و سلم خيرَ الجزاء و أوفاه ،


و أكمله و أثناه ، و أتمَّه و أبهاه ، و صلِّ عليه صلاةً تكون له رِضاءً ،


و لحقِّه أداءً ، و لفضلِه كِفاء ، و لعظمته لِقاء ،


يا خيرَ مسؤول و أكرمَ مأمول يا رب الأرض و السماء .



اللّهمّ إنّا نسألك حبَّك ، و حبَّ رسولك محمّد صلى الله عليه و سلم ،


و حبَّ العملِ الذي يقرّبنا إلى حبّك .



اللهم اجعل حبَّك و حبَّ رسولك صلى الله عليه و سلم أحبَّ إلينا


من أنفسنا و والدينا و الناس أجمعين .



اللّهمّ أعِزَّ الإسلام و المسلمين ، و أذلَّ الشركَ و المشركين ،


و أحمِ حوزةَ الدّين ، و أدِم علينا الأمن و الأمان و أحفظ لنا ولاة أمورنا ،


و رد كيد كل من أراد فتنة فى بلادنا فى نحره أو فى أى من بلاد المسلمين



اللهم أمنا فى أوطاننا و أصلح أئمتنا و ولاة أمورنا ،


و أنصر عبادَك المؤمنين فى كل بقاع الأرض و أحفظهم






اللهم أحقن دماء المسلمين فى كل مكان و أحفظهم بحفظك


الله أرحم موتاهم و أشف مرضاهم و اجمع شملهم و شتاتهم .



اللهم أحفظ أخواننا المسلمين فى الشام و مينامار و جميع بلاد المسلمين ،



اللهم أحقن دمائهم و صن أعراضهم و أحفظهم و أموالهم و أولادهم .



ثم الدعاء بما ترغبون و ترجون من فضل الله العلى العظيم الكريم

أنتهت


و لا تنسونا من صالح دعاءكم .

hamdi-8 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2012, 01:47 PM   #7 (permalink)
:: كبار الشخصيات ::
 
الصورة الرمزية hamdi-8
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: Libya
المشاركات: 7,052
hamdi-8 is on a distinguished road
افتراضي رد: منبر الجمعة (خطب صلاة الجمعة ) متجدد

خطبتى صلاة الجمعة 5-10-2012م بعنوان ( السيرة النبوية 3)
السيرة النبوية 3
مازن التويجري

ملخص الخطبة
1- خروج الرسول إلى الطائف وما لقيه فيها. 2- دعاء النبي وأدعية الأنبياء في المحن. 3- رحمة النبي بالكافرين. 4- الإسراء والمعراج وموقف المشركين منه. 5- بيعة العقبة الأولى. 6- بيعة العقبة الثانية.

الخطبة الأولى


ولما خرج رسول الله وأصحابه من حصار الشعب الآثم, وكان ما كان من وفاة زوجه الرؤوم, وعمه الذي يحوطه ويمنعه, وأن كفار قريش لم يزالوا يحاربون الحق ودعوة الحق, يسومون المؤمنين بالعذاب أضعافًا لأهل الحق المتمسكين به, غدا ليعرض دعوته على بلاد أخرى, ورجال آخرين.
في شوال سنة عشر للنبوة, خرج رسول الله إلى الطائف ماشيًا على قدميه الطاهرتين ومعه مولاه زيد بن حارثة, كلما مرَّ على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام فلم يجبه أحد, ووصل إلى الطائف فعمد إلى ثلاثة أخوة من رؤساء ثقيف, وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي, فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ونصرة الإسلام, فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله أرسلك, وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا غيرك, وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا, إن كنت رسولاً لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك, ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك, فقام عنهم رسول الله وقال: ((إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني)) [1].
وأقام في أهل الطائف عشرة أيام, لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه, فقالوا: اخرج من بلادنا, وأغروا به سفهاءهم, فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به, حتى اجتمع عليه الناس فوقفوا له صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة, ويسبونه ورجموا عراقيبه, حتى احتضنت نعلاه بالدماء, وزيد بن حارثة يقيه بنفسه, فأصابه شجاج في رأسه.
وهكذا يبقى أهل الحق في صراع مع الباطل على مرَّ العصور, في دعوته عليه السلام لأهل مكة وسيره لأهل الطائف نداء إلى كل من يحمل همَّ دينه وأمته: أن طريق الدعوة شاقٌ, طويلٌ, عسيرٌ, عقباته كؤود, وألمه شديده, ليتذكر ذلك العامل لدينه يوم يصاب في ماله, كيف بذل رسول الله دنياه كلها في سبيل دعوة الخلق إلى الحق, تذكر وأنت تدعو الناس إلى الله وقد أصابك ما أصابك من شتم يسير, أو سباب من سفيه حقير ما عرف قيمة الحياة أن إمام الأمة, وقائد الملة, وخير البشر, وأكرم الخلق, يُسب ويشتم, بل ويقال: كاهن, شاعر, مجنون, فهل رميت يومًا بمثل هذا, أو نالك من الحديث كهذا, بل أنت سالم في أهلك, معافىً في جسدك, والطاهر المطهر, المزكى من ربه ومولاه يضرب, ويرمى بالحجارة حتى يسيل دمه الطاهر, كل هذا نصرة لدين الله, ورفعًا للوائه ورايته, ولكن لابد أن يُعلم أن درب الجهاد والدعوة جماله في عنائه, وروعته في أوجاعه, ولذته في طول طريقه, ومن لم يجد هذا ولا ذاك فليراجع إيمانه وإخلاصه, وليكن نشيدك على الدوام:
دربنا المزروع بالشوك طويل وجميل ربما نعثر فيه ولياليـنا تـطول
ولم يزل أولئك السفهاء بالنبي حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة, على ثلاثة أميال من الطائف فرفع كفيه وقال: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي, وقلة حيلتي, وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين, أنت رب المستضعفين وأنت ربي, إلى من تكلني, إلى بعيد يتجهمني, أم إلى عدو ملكته أمري, إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي, ولكن عافيتك هي أوسع لي, أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات, وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك, أو يحل عليَّ سخطك, لك العتبى حتى ترضى,ولا حول ولا قوة إلا بك)) [2].
لا إله إلا الله, أي التجاء أعظم من هذا الالتجاء يا أهل الحق, الحق منصور فلا تجزعوا, ولكن لابد للبطولة من أبطال, ولساحات الوغي من شجعان, ومن رام العلى, وسرى نحو الثريا, لابد وأن يترفع على الثرى وغباره, ولا يُرى يلطخ عقله وجسمه في الوحل والطين... إنه الدرس العظيم في صدق اللجوء, وعمق التعلق والتذلل, مهما بلغت الأسباب والمسببات, فلا تنفع شيئًا, إذا فارقها توفيق وتيسير مسبب الأسباب سبحانه.
ما يصيب العامل لدينه من توفيق أو عدمه, من تصديق أو تكذيب, من قبول أو عناد وكله في صالحه, ومن حسن تدبير الله له, وما يدريك ففي قبول الناس للخير الفوز والفلاح, وفي عنادهم وأذاهم تكفير وتمحيص للسيئات, وعلو ورفعة في الدرجات, يوسف عليه السلام بعد كل ما لاقى من عناد وعذاب يقول ويبتهل ((رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين )) [يوسف: 101].
وموسى عليه السلام يخرج من وطنه طريدًا كسيرًا وآلامه تعتصر في قلبه, ومع ذلك ينادي ويدعو ((قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير))[القصص: 24].
فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما, فدعو غلامًا لهما نصرانيًا, يقال له عداس, وقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل, فلما وضعه بين يدي رسول الله مدّ يده إليه وهو يقول: ((بسم الله)) ثم أكل فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد, فقال له رسول الله : ((من أي البلاد أنت؟)) قال: أنا نصراني, من أهل نينوى, فقال رسول الله من قرية الرجل الصالح: يونس بن متى, قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال: ((ذاك أخي, كان نبيًا وأنا نبي)) فأكب عداس على رأس رسول الله ويديه ورجليه يقبلهما[3].
ورجع رسول الله في طريقه إلى مكة, روى البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها حدثته أنها قالت للنبي هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: ((لقيت من قومك ما لقيت, وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت, فانطلقت وأنا مهموم على وجهي, فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب, فرفعت رأسي, فإذا أنا بسحابة قد أظلتني, فنظرت فإذا فيها جبريل, فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك, وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم, فناداني ملك الجبال, فسلم علي, ثم قال: يا محمد, ذلك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين, وهما جبلا مكة يحيطان بها, قال النبي , بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئًا)) [4].
الله أكبر هكذا كانت إجابة الحليم الحكيم, هكذا كانت إجابة الرؤوف الرحيم بأمته مع كل ما قابله من تكذيب وتحريش وإغراء ومع ذلك يقول: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا. لا غرو ولا غرابة فهو الرحمة المهداة (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) [الأنبياء: 107].
هذه الكلمات الصادقة الحانية, رسالة إلى كل داعية ومعلم خير, أنت تبلغ دين الله, وشرع الله, فليكن عَرضك مقبولاً, وقولك طيبًا, وفعلك محمودًا, واعرض ما عندك, كما يعرض التاجر اللبيب بضاعته, وبعد ذلك إن لم تجد عونًا ووجدت صدًا وتجريحًا, فارفع يدك وادع ((رب اشرح لي صدريويسر لي أمريواحلل عقدة من لسانييفقهوا قولي )) [طه: 25 ـ 27], اللهم اهدني واهد بي.
وبينا رسول الله في هذه المرحلة التي كانت دعوته تشق طريقها بين النجاح والاضطهاد, وقع حادث عجيب مهم ألا وهو حادث الإسراء والمعراج, وقد اختلف في وقوعه, قيل: في رمضان من السنة 12 من النبوة, وقيل: في المحرم أو ربيع الأول من السنة 13 للنبوة, وقد روى أهل السنن والمسانيد والصحاح في كتبهم هذه الوقعة.
قال ابن القيم رحمه الله: أسرى برسول الله بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس, راكبًا على البراق, صحبه جبريل عليه السلام فنزل هناك, وصلى بالأنبياء إمامًا, وربط البراق بحلقة باب المسجد, ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا, فاستفتح له جبريل ففتح له, فرأى هناك آدم أبا البشر, فسلم عليه ورحب به, ورد عليه السلام وأقر بنبوته, وأراه الله أرواح الشهداء عن يمينه, وأراح الأشقياء على يساره.
ثم عرج به إلى السماء الثانية فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم, وفي الثالثة يوسف, وفي الرابعة إدريس, وفي الخامسة هارون بن عمران, وفي السادسة موسى بن عمران, فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته, فلما جاوزه بكى موسى, فقيل له: ما يبكيك, فقال: أبكي لأن غلامًا بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي, ثم عرج به إلى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم عليه السلام أجمعين, ثم رفع إلى سدرة المنتهى, ثم رفع إلى البيت المعمور, ثم عرج إلى الجبار جل جلاله, فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى, ثم كان فرض الصلاة على ما جاء, وعرض عليه في مسراه لبن وخمر, فاختار اللبن فقيل: هديت للفطرة, أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك, ورأى أربعة أنهار في الجنة, نهران ظاهران, ونهران باطنان, والظاهران هما النيل والفرات, ومعنى ذلك أن رسالته ستتوطن الأودية الخصبة في النيل والفرات, وسيكون أهلها حملة الإسلام جيلاً بعد جيل, وليس معناه أن مياه النهرين تنبع من الجنة.
ورأى مالك خازن النار, وهو لا يضحك, وليس على وجهه بشر وبشاشة, وكذلك رأى الجنة والنار, ورأى أكلة أموال اليتامى ظلمًا لهم مشافر كمشافر الإبل يقذفون في أفواههم قطعًا من نار كالأنهار فتخرج من أدبارهم, ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة, لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا عن مكانهم, ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار, ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن, يأكلون من الغث المنتن, ويتركون الطيب السمين, ورأى النساء اللاتي يُدخلن على الرجال من ليس من أولادهم, رآهن معلقات بأثداهن, ورأى عيرًا من أهل مكة في الإياب والذهاب, وقد دلهم على بعير ندّ لهم, وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون ثم ترك الإناء مغطى, وقد صار ذلك ليلاً على صدق دعواه في صباح ليلة الإسراء.
فلما أصبح رسول الله في قومه أخبرهم بما أراه الله عز وجل من آياته الكبرى, فاشتد تكذيبهم له وأذاهم وضراوتهم عليه, وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس فجلاه الله له, حتى عاينه, فطفق يخبرهم عن آياته ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئًا, وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه, وأخبرهم عن وقت قدومها, وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها وكان الأمر كما قال فلم يزدهم ذلك إلا نفورًا, وذكر ذلك لأبي بكر فقال: إن كان قال فقد صدق, ولذلك سمي صديقًا اهـ باختصار من كلام ابن القيم رحمه الله.


[1] رواه ابن إسحاق (2/419).

[2] رواه ابن إسحاق في السيرة. سيرة ابن هشام 2/420.

[3] المصدر السابق 2/421.

[4] رواه البخاري ح (3231).



الخطبة الثانية

وفي موسم الحج للسنة الثانية عشرة من النبوة اتصل اثنا عشر رجلاً من الأوس والخزرج برسول الله عند العقبة بمنى فبايعوه وهي ما تسمى ببيعة العقبة الأولى.
روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله قال: ((تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا, ولا تسرقوا ولا تزنوا, ولا تقتلوا أولادكم, ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم, ولا تعصوني في معروف, فمن وفى منكم فأجره على الله, ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله, فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه)) قال: فبايعته, وفي نسخة فبايعناه على ذلك[1].
وبعد البيعة بعث رسول الله معهم أول سفير إلى يثرب يدعو الناس ويعلمهم أمر دينهم, وهو مصعب بن عمر العبدري رضي الله عنه, وكان من السابقين إلى الإسلام, ونزل مصعب على أسعد بن زرارة, وأخذا يبثان الإسلام في أهل يثرب حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا دارين فقط, وقبل حلول الحج من السنة الثالثة عشرة من النبوة, أي بعد سنة فقط من بيعة العقبة الأولى عاد مصعب إلى مكة يحمل إلى رسول الله بشائر الفوز والقبول.
وفي موسم الحج لهذه السنة قدم من يثرب نحو من ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتان من المسلمين, وقد تساءلوا فيما بينهم وهم لم يزالوا في طريقهم حتى متى نترك رسول الله يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي لقاءات أدت إلى الاتفاق أن يجتمعوا في أواسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى.
قال كعب: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا أي من حجاج المشركين حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله نتسلل تسلل القطا مستخفين, حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة, فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ومعه عمه العباس بن عبد المطلب, وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه, وتوثق له وكان أول متكلم فقال: يا معشر الخزرج إن محمدًا منا حيث قد علمتم, وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه, فهو في عز من قومه, ومنعة في بلده, وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم, فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه, ومانعوه ممن خالفه, فأنتم وما تحملتم من ذلك, وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت, فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
روى أحمد عن جابر قال: قلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: ((على السمع والطاعة في النشاط والكسل, وعلى النفقة في العسر واليسر, وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم, وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة)) [2], وفي رواية ابن إسحاق؛ فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم, والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع أزرنا منه, فبايعنا يا رسول الله, فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابر عن كابر.
قال: فاعترض القول أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله: إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها ـ يعني اليهود ـ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ثم قال: ((بل الدم الدم, والهدم الهدم, أنا منكم وأنتم مني, أحارب من حاربتم, وأسالم من سالمتم))[3].
قال العباس بن عبادة بن نضلة هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس, فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة, وأشرافكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن, فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة, وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه, فهو والله خير الدنيا والآخرة, قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف, فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: ((الجنة)), قالوا: ابسط يدك, فبسط يده فبايعوه".
قال جابر: فقمنا إليه رجلاً رجلاً فأخذ علينا البيعة يعطينا بذلك الجنة, أما المرأتان فكانت بيعتهما قولاً, ما صافح رسول الله امرأة أجنبية قط[4].

[1] رواه البخاري ح (3892).

[2] رواه أحمد ح (14047).

[3] رواه أحمد ح (1537) وابن إسحاق (2/442).

[4] رواه ابن إسحاق (2/446)
hamdi-8 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-12-2012, 11:37 AM   #8 (permalink)
:: كبار الشخصيات ::
 
الصورة الرمزية hamdi-8
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: Libya
المشاركات: 7,052
hamdi-8 is on a distinguished road
افتراضي رد: منبر الجمعة (خطب صلاة الجمعة ) متجدد

خطبتى صلاة الجمعة 12-10-2012م بعنوان ( العمل الصالح فى العشر من ذي الحجة)

خطبتى صلاة الجمعة بعنوان :

( العمل الصالح فى العشر من ذي الحجة )


ألقاها فضيلة الأخ الشيخ / نبيل بن عبدالرحيم الرفاعى
أمام و خطيب مسجد التقوى - شارع التحلية - جدة
سمح للجميع بنقله إبتغاء للأجر و الثواب


الخطبة الاولى


الحمد لله المتفضِّل بكلّ نعمة، دافعِ كلّ نقمة، سبحانه يتفضّل بالصالحات ويجزي عليها،

وينعم بالخيرات ويوفِّق إليها، أحمده تعالى وأشكره وقد تفضّل بالزيادة لم شكر


وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

له الخلق والأمر، وإليه المرجع والمستقر،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله،

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة الغرر،

والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الشمس والقمر.


أما بعـــــد



فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، وارغبوا فيما عنده،

ولا تغرنكم الحياة الدنيا، فطالبها مكدود، والمتعلق بها متعب مجهود، والزاهد فيها محمود،

واستعيذوا بالله من هوى مطاع، وعُمُر مُضاع، ورحم الله عبدًا أعطي قوةً وعمل بها في طاعة الله،

أو قصر به ضعف فكفَّ عن محارم الله.

أيها المسلمون، للمسلم في كل ساعة من عمره وظيفة لربه،

عليه أن يقوم بها حسب الاستطاعة، وعلى قدر الطاقة، فاتقوا الله ما استطعتم،



{ لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }

[البقرة: 286].



إنها وظائف ومطلوبات تستغرق الحياة كلها،



{ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }

[الحجر:99]،


{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ *

لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ }

[الأنعام: 162، 163].

ناهيكم ـ أيها المسلمون ـ بما امتن الله به على عباده من مواسم الفضل ونفحات الدهر،

في شهر رمضان كله، ثم في عشره الأخيرة، وفي عشر ذي الحجة، وفي يوم عرفة،

ثم في الحج ومناسكه، في كل هذه المواسم والنفحات مزيدُ الفضل ومضاعفات الأجر.

إن هذه الوظائف والمرغوبات تستدعي من المسلم الحصيف أن يتلمَّس الأعمال الصالحات،

ويتحرَّاها في حقيقتها وأثرها وسعتها وثمارها.

عباد الله، الأعمال الصالحات منزلتها في الدين عظيمة، ومرتبتها في الإسلام عالية،

فهي قرين الإيمان في كتاب الله، وأثره وثمرته وجزاؤه،



{ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً }

[طه: 112]،



{ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً
[الكهف: 107]،



{ مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً

وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }

[النحل: 97].



كتاب الله العزيز وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

قد تظافرا في بيان حقيقة ذلك ومتطلباته، وأثره وثماره،
وسعة دائرته وعلامة صحته، وأسباب قبوله.

أيها الإخوة: الإيمان بالله ومعرفته وتوحيده، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل ولزوم السنة،

وأكل الحلال، والمداومة والقصد والتوسط، وإتباع السيئة الحسنة،

والتوبة والاستغفار والبكاء على الخطيئة،

كل أولئك علائم ومنارات وضوابط ومتطلبات لتحقيق العمل الصالح.

من عرف الله ولم يعرف الحق لم ينتفع، ومن عرف الحق ولم يعرف الله لم ينتفع،

ومن عرف الله وعرف الحق ولم يخلص العمل لم ينتفع،

ومن عرف الله وعرف الحق وأخلص العمل ولم يكن على السنة لم ينتفع،

وإن تمَّ له ذلك ولم يأكل الحلال ويجتنب الحرام وأكبَّ على الذنوب لم ينتفع.

معاشر الأحبة: لا يرجو القبول إلا مؤمن بربه وبآياته، عابدٌ مخلص،

وجلٌ مشفق، يستصغر عباداته، ويستقلُّ طاعاته، مدركٌ لجلال الله وعظمته،

وعلمه وإحاطته، رقيب له في شعائره ومشاعره.

العمل الصالح-حفظكم الله- لا بد أن يكون سليمًا من الشرك كبيره وصغيره،

دقيقه وجليله، خفيِّه وجليِّه،

{ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا }

[الكهف: 110]،



وفي الحديث الصحيح :



( يقول الله عز و جل : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ،

من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته و شركه ) .



ولا بد في العمل الصالح أن يكون سليمًا من البدع ومحدثات الأمور،
يقول عليه الصلاة و السلام :



( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) ،

و ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ،

و ( و إياكم و محدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ،

و كل بدعة ضلالة ) ،



والعمل الصالح ـ أيها المباركون ـ لا بد فيه من الإخلاص، إن من أشد المفسدات،

ومانعات القبول، ومبعدات التوفيق عدم الإخلاص والإشراك في النية والمقاصد،



وفي الحديث :



( إياكم و شرك السرائر ، يقوم رجل فيصلي ،

فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الرجل إليه ، فذلك شرك السرائر )

رواه ابن خزيمة في صحيحه .



وإذا كان الرياء هو العمل لأجل الناس،

فإن هناك نوعًا خطيرًا ذلكم هو العمل لأجل النفس وحظوظها،

لا لأجل الله وابتغاء مرضاته والأمل فيما عنده، إن من عدم التوفيق أن يعمل العبد ليرضي نفسه،



ويبتغي حُظوظ دنياه، يصوم ويتصدق ويتزهد ويتورع لما يرجو من الدنيا وغاياتها.

الإخلاص ـ يحفظكم الله ـ أن يستوي حال الظاهر والباطن،

عبدُ الله المخلص يعمل عمله لله سواء رآه الناس أم لم يروه،

وسواء كان له حظ من حظوظ الدنيا أو لم يكن، فليس له توجهٌ إلا لله،

وليس له طمع إلا في جنة الله، وليس له غاية إلا في رضوان الله،

ليس له هرب إلى من سخط الله، وليس له حذر إلا من عذاب الله.



{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ }

[الأنعام: 162، 163].



أيها الإخوة: ويقترن بالإخلاص تحري الطيبات، فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا،

والطيب ما طيَّبه الشرع، لا ما طيَّبه الذوق،

والطيب توصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات،



{ قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلألْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }



[المائدة: 100].



ومن صفات نبينا محمد صلى الله عليه و سلم أنه يحلُّ الطيبات، ويحرم الخبائث،



والمؤمن طيبٌ كله؛ قلبه ولسانه وجسده، فقلبه طيب لما وقر فيه من الإيمان،


ولسانه طيب لما يقوم به من الذكر، وجسده طيب لما تقوم به الجوارح من كل عمل صالح.



ومن أعظم ما يحصل به طيب العمل طيب المطعم، وحل المأكل،



فالعمل الصالح لا يزكو إلا بأكل الحلال، وقد أمر الله به المؤمنين كما أمر به المرسلين،




فقال سبحانه و تعالى آمرًا رسله عليهم السلام :




{ يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً }


[المؤمنون: 51]،





وقال آمرًا عباده المؤمنين :




{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }



[البقرة: 172].



يقول بعض السلف: "لو قمت مقام السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك"،



وكل لحم نبت بالحرام فالنار أولى به.



ولا تنسوا ـ رعاكم الله ـ وأنت تتحرى الأعمال الصالحة، لا تنس المداومة عليها،



ففي الخبر الصحيح من حديث



أم المؤمنين أمنا السيدة / عائشة / رضي الله عنها و عن أبيعا قالت:


سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم : أي الأعمال أحب إلى الله؟



فقال عليه الصلاة و السلام :



( أدومها و إن قل ) ،



وقد كان عمله عليه الصلاة والسلام ديمَة ،


ويقترن بالمداومة- رعاكم الله- تحري القصد والاعتدال والتوسط،



ومراعاة الحقوق والواجبات، والموازنة بين المسؤوليات، فإن لنفسك عليك حقًا،



ولزوجك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه،



فلا ينبغي للعبد أن يجتهد في جانب ليفرط في جوانب،



( فسددوا و قاربوا و أبشروا ، و استعينوا بالغدوة و الروحة ،



و شيء من الدلجة ، و القصد القصد تبلغوا ) ،


و ( إن الله لا يمل حتى تملوا ، و اكلفوا من العمل ما تطيقون ) .



إخوتي في الله : هذا هو العمل الصالح، وهذه هي مقتضياته ومتطلباته،



ومع هذا فإن العبد محَل التقصير، ومحط الخطايا، وكل ابن آدم خطاء،


وخير الخطائين التوابون، الموفَّقون للعمل الصالح هم ذوو القلوب المخلصة،



والتوحيد الخالص، والهِمَم الجادة، موفون بتكاليف الشرع، بعيدون عن الغفلة والأثرة،



يسلكون مسالك الإيثار، يرجون رحمة الله،



{ وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا }
[الإسراء: 57].





أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :



{ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ *

وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ *

وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ *


وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ رٰجِعُونَ *


أُوْلَـئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ }

[المؤمنون: 57 ـ 61].



بارك الله لي ولكم في القران العظيم، ونفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم،

وبهدي محمد صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم ،

وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة،

فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ مستيقنٍ بها في جنانه، ومقرٍّ بها بلسانه،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله المبلغُ للوحيين: سنته وقرآنه،



صلى الله وسلم وبارك عليه،

وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.



أما بعـــــد

أيّها المسلمون ،


أيام قلائل وتنزِل بكم أيّامٌ فضَّلها الله على ما سِواها، وأقسم بها تعظيمًا لها




فقال سبحانه :



{ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ }

[الفجر:1، 2]،





قال ابن عبّاس وابن الزّبَير وغيرهما رضي الله عنهم:



[ إنها عشرُ ذي الحجة ]



وهو قولُ جمهور المفسِّرين كما ذكره الشوكانيّ رحمه الله.



وفي صحيح البخاريّ





أنَّ النبيَّ صلى الله عليه و سلم قال:




( ما مِن أيّامٍ العملُ الصالح فيهن أحبّ إلى الله من هذهِ الأيّام ) ،




يعني أيّام العشرِ، قالوا: ولا الجهادُ في سبيل الله؟





و قال عليه صلوات ربى و سلامه و على صحبه و آلِه :



( و لا الجهادُ في سبيل الله ،



إلاّ رجل خرَج بنفسه و مالِه ثم لم يرجِع من ذلك بشيء ).




فاحرِصوا ـ رحمكم الله ـ على عمارةِ هذه الأيام بالتكبيرِ والتهليلِ والتحميد


والدّعاء والإكثار من أنواعِ الأعمال الصالحة،فهذه هي الأيّام المعنِيَّة





يقول الله عز وجل:



{ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }

[الحج:28]،



وختاماً أحبتي في الله،



يقول النبيُّ صلى الله عليه و سلم :


( إذا رأَيتُم هلال ذِي الحجة و أراد أحدُكم أن يضحِّيَ



فليمسِك عن شعرِه و أظفاره حتى يضحِّي )



رواه مسلم.


ألا فاتقوا الله عباد الله، والزَموا السنّة، واغتنِموا الأيّامَ الفاضلة،



فما أسرعَ تقضِّيها، وبادِروا الأعمار بالأعمال، فالموت عمّا قليل سيلاقيها.



أسأل الله تعالى لي و لكم الهدى و التّقَى و العفافَ و الغنى .



هذا و أعلموا عباد الله أن الله قد أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه و ثنى بملائكته ثم أمركم به ،



فصلّوا و سلّموا على من أمركم الله بالصلاة عليه في محكَم التنزيل



فقال جلّ مِن قائل سبحانه :




{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }



[الأحزاب:56] .





اللهم صلِّ و سلم و بارك على عبدك و رسولك سيدنا محمد


و على آله الطيبين الطاهرين و على أزواجه أمهات المؤمنين



و أرضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين : أبي بكر و عمر و عثمان و علي ،



و عن الصحابة أجمعين و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ،



و عنَّا معهم بعفوك و إحسانك و جودك يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين .




و قال عليه الصلاة و السلام فيما أخرجه مسلم في صحيحه :


( مَن صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا ) .




فاجز اللّهمّ عنّا نبيّنا محمّدًا صلى الله عليه و سلم خيرَ الجزاء و أوفاه ،



و أكمله و أثناه ، و أتمَّه و أبهاه ، و صلِّ عليه صلاةً تكون له رِضاءً ،



و لحقِّه أداءً ، و لفضلِه كِفاء ، و لعظمته لِقاء ، و تلقى منك سبحانك قبول و رضاء ،


يا خيرَ مسؤول و أكرمَ مأمول يا رب الأرض و السماء .


اللّهمّ إنّا نسألك حبَّك ، و حبَّ رسولك محمّد صلى الله عليه و سلم ،



و حبَّ العملِ الذي يقرّبنا إلى حبّك .



اللهم اجعل حبَّك و حبَّ رسولك صلى الله عليه و سلم أحبَّ إلينا



من أنفسنا و والدينا و الناس أجمعين .




اللّهمّ أعِزَّ الإسلام و المسلمين ، و أذلَّ الشركَ و المشركين ،



و أحمِ حوزةَ الدّين ، و أدِم علينا الأمن و الأمان و أحفظ لنا ولاة أمورنا ،


و رد كيد كل من أراد فتنة فى بلادنا فى نحره أو فى أى من بلاد المسلمين




اللهم أمنا فى أوطاننا و أصلح أئمتنا و ولاة أمورنا ،




اللهم و أنصر عبادَك المؤمنين فى كل بقاع الأرض و أحفظهم



اللهم أحقن دماء المسلمين فى كل مكان و أحفظهم بحفظك


اللهم أرحم موتاهم و أشف مرضاهم و اجمع شملهم و شتاتهم .


اللهم أحفظ أخواننا المسلمين فى الشام و مينامار و جميع بلاد المسلمين ،

اللهم أحقن دمائهم و صن أعراضهم و أحفظهم و أموالهم و أولادهم .

ثم الدعاء بما ترغبون و ترجون من فضل الله العلى العظيم الكريم


أنتهت
hamdi-8 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-14-2012, 01:08 AM   #9 (permalink)
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية bakkacha
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 32
bakkacha is on a distinguished road
افتراضي رد: منبر الجمعة (خطب صلاة الجمعة ) متجدد

بارك الله فيك يا استاذنا الفاضل حمدي و جعلها في ميزان حسناتك
bakkacha غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-15-2012, 11:03 AM   #10 (permalink)
عضو جديد
 
الصورة الرمزية s3hattab
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
الدولة: سوريا-حلب
المشاركات: 23
s3hattab is on a distinguished road
افتراضي رد: منبر الجمعة (خطب صلاة الجمعة ) متجدد

بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام
s3hattab غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
يالله ندعى فى صلاة الجمعة الزوي87 (الخواطر والاشعار الليبية) 1 10-27-2012 12:26 PM
صلاة الجمعة alhuson المنتدى الإسلامي العام 2 10-02-2010 12:13 AM
أحكام صلاة الجمعة qwer2005 المنتدى الإسلامي العام 0 11-21-2009 01:16 AM
صلاة الجمعة عليان قطر منتدى رمضان شهر الخير 3 07-31-2009 10:37 PM
صلاة الجمعة عليان قطر منتدى رمضان شهر الخير 5 07-25-2009 06:01 PM


الساعة الآن 12:05 PM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2017 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
SEO by vBSEO diamond